فخر الدين الرازي

258

تفسير الرازي

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ) * اعلم أن الله تعالى لما ذكر وعيد عبدة الأصنام والأوثان ذكر وعد من اجتنب عبادتها واحترز عن الشرك ، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد أبداً فيحصل كمال الترغيب والترهيب ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : الطاغوت فعلوت من الطغيات كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين ، وفي هذا اللفظ أنواع من المبالغة أحدها : التسمية بالمصدر كأن عين ذلك الشيء الطغيان وثانيها : أن البناء بناء المبالغة فإن الرحموت الرحمة الواسعة والملكوت الملك المبسوط وثالثها : ما ذكرنا من تقديم اللام على العين ومثل هذا إنما يصار إليه عند المبالغة . المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطان أم الأوثان ، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم ، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان ، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها ، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها ، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب بحسب الظاهر ، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت ، ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام ، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم ، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر والكبر ، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على اعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة ، وأقول حاصل الكلام في قوله : * ( والذين اجتنبوا الطاغوت ) * أي أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله . قوله تعالى : * ( وأنابوا إلى الله ) * أي رجعوا بالكلية إلى الله . ورأيت في السفر الخامس من التوراة ، أن الله تعالى قال لموسى : يا موسى أجب إلهك بكل قلبك . وأقول ما دام يبقى في القلب التفات إلى غير الله فهو ما أجاب إلهه بكل قلبه ، وإنما تحصل الإجابة بكل القلب إذا أعرض القلب عن كل ما سوى الله من باب الطاعات فكيف يعرض عنها مع